الخطيب البغدادي
48
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
فَتُمْلأُ بِهِ الأَرْضُ عَدْلا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا " ولَم يزل أمر القائم بأمر باللَّه مستقيمًا إلى أن قُبض عليه في سنة خمسين وأربع مائة ، وكان السبب في ذلك ، أن أرسلان التركي المعروف بالبساسيري كان قد عظم أمره واستفحل شأنه ، لعدم نظرائه من مقدمي الأتراك المسمين بالأصفهسلارية ، واستولى على البلاد ، وانتشر ذكره ، وطار اسمه ، وتهيبته أمراء العرب والعجم ، ودعي له على كثير من المنابر العراقية ، وبالأهواز ، ونواحيها ، وجبَى الأموال ، وخرب الضياع ، ولم يكن الخليفة القائم بأمر اللَّه يقطع أمرًا دونه ، ولا يحل ويعقد إلا عن رأيه . ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته وشهد عنده جماعة من الأتراك أن البساسيري عرفهم ، وهو إذ ذاك بواسط ، عزمه على نَهب دار الخليفة ، والقبض على الخليفة ، فكاتب الخليفة أبا طالب مُحَمَّد بن ميكال المعروف بطغرلبك أمير الغز ، وهو بنواحي الري يستنهضه على المسير إلى العراق ، وانفض أكثر من كان مع البساسيري ، وعادوا إلى بغداد ، ثم اجتمع رأيهم على أن قصدوا دار البساسيري ، وهي بالجانب الغربي في الموضع المعروف بدرب صالِح بقرب الحريم الطاهري ، فأحرقوها وهدموا أبنيتها . ووصل طغرلبك إلى بغداد في شهر رمضان من سنة سبع وأربعين وأربع مائة ، ومضى البساسيري على الفرات إلى الرحبة ، وتلاحق به خلق كثير من الأتراك البغداديين ، وكاتب صاحب مصر يذكر له كونه في طاعته ، وأنه على إقامة الدعوة له بالعراق ، فأمده بالأموال وولاه الرحبة . وأقام طغرلبك ببغداد سنة إلى أن خرج منها إلى الموصل وأوقع بأهل سنجار ، وعاد إلى بغداد فأقام بها مدة ، ثم رجع إلى الموصل وخرج منها